ابن أبي الحديد

24

شرح نهج البلاغة

يحتشم ويستحيا من ذكره بالفرار وما شابهه من العيب فيضطر ، القائل إلى الكناية إلا هما قلت له : هذا وهم ( 1 ) ، فقال : دعنا من جدلك ومنعك ، ثم حلف أنه ما عنى الواقدي غيرهما ، وإنه لو كان غيرهما لذكره صريحا ، وبان في وجهه التنكر من مخالفتي له . * * * روى الواقدي قال : لما صاح إبليس : أن محمدا قد قتل ، تفرق الناس فمنهم من ورد المدينة ، فكان أول من وردها يخبر أن محمدا قد قتل ، سعد بن عثمان أبو عبادة ، ثم ورد بعده رجال حتى دخلوا على نسائهم حتى جعل النساء يقلن : أعن رسول الله تفرون ! ويقول لهم ابن أم مكتوم : أعن رسول الله تفرون ؟ يؤنب بهم ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله خلفه بالمدينة يصلي بالناس ، ثم قال دلوني على الطريق - يعنى طريق أحد - فدلوه ، فجعل يستخبر كل من لقي في الطريق حتى لحق القوم ، فعلم بسلامة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم رجع . وكان ممن ولى عمر وعثمان والحارث بن حاطب وثعلبه بن حاطب وسواد بن غزية وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان وخارجة بن عمر بلغ ملل ( 2 ) ، وأوس بن قيظي في نفر من بني حارثة بلغوا الشقرة ( 3 ) ولقيتهم أم أيمن تحثي ( 3 ) في وجوههم التراب وتقول لبعضهم : هاك المغزل فاغزل به ، وهلم . واحتج من قال بفرار عمر بما رواه الواقدي في كتاب المغازي في قصة الحديبية ، قال : قال عمر يومئذ : يا رسول الله ، ألم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرف مع المعرفين ، وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحر ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أقلت لكم في سفركم هذا ؟ قال عمر : لا ، قال : أما إنكم ستدخلونه وآخذ مفتاح الكعبة وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة وأعرف مع المعرفين ، ثم أقبل على عمر وقال : أنسيتم يوم

--> ( 1 ) كذا في ب : والذي في أ " ممنوع " . ( 2 ) ملل ، كجبل : موضع بعينه . ( 3 ) الشقرة : موضع معروف لبني سليم . ( 4 ) يقال : حثا التراب في وجهه يحثوه ويحثيه ، إذا رماه به .